الغوص في المناطق القطبية: داخل واحدة من آخر جبهات المغامرة في عالم الغوص

بالنسبة للعديد من الغواصين، تتبع رحلاتهم معايير مألوفة: المياه الدافئة، والشعاب المرجانية، والرؤية الواضحة، والجزر الاستوائية. لكن في الطرف المقابل من طيف الغوص، توجد تجربة تتشكل بفضل الجليد والبرد والعزلة وبعض من أروع المناظر الطبيعية على وجه الأرض.

يأخذ الغوص القطبي الغواصين إلى ما تحت سطح القارة القطبية الجنوبية والقطب الشمالي، حيث يمكنهم النزول بجانب الجبال الجليدية، واستكشاف قيعان بحرية صخرية نادرًا ما يزورها البشر، ومشاهدة أنظمة بيئية بحرية تكيفت مع ظروف تبدو شبه مستحيلة من على سطح الماء.

إنها ليست مجرد وجهة أخرى تُضاف إلى سجل الغوص. فالبعثة الاستكشافية للغوص القطبي تغير تقريبًا كل عنصر مألوف في رحلة الغوص.

الغوص تحت الجليد

المفاجأة الأولى هي أن الغوص القطبي لا يعني بالضرورة النزول تحت طبقة جليدية صلبة.

يمكن ممارسة الغوص الاستكشافي من قوارب صغيرة في مواقع مختارة حول السواحل والجزر والخلجان والتكوينات الجليدية. وتحدد الظروف الأماكن التي يمكن الغوص فيها، وقد تتغير الخطط بسرعة مع تغير البيئة بفعل الرياح والطقس والجليد المتحرك.

هذا الطابع غير المتوقع هو جزء من التجربة.

يصف قادة الغوص الذين أجرت «أوشنوايد إكسبديشنز» مقابلات معهم الغوص القطبي بأنه نشاط يتسم بتقلب شديد، حيث تتغير الظروف ليس فقط بين الفصول، بل وأحيانًا من يوم لآخر. وقد تتم بعض الغطسات في مواقع معروفة، بينما تستكشف غطسات أخرى مناطق لم تشهد سوى القليل من الغوص الترفيهي أو لم تشهده على الإطلاق.

تحت الماء، قد يكون المشهد مختلفًا تمامًا عما هو عليه في أي مكان آخر تقريبًا.

يمكن أن يكشف الجزء المغمور من جبل الجليد عن جدران منحوتة وأخاديد وتجاويف وتشكيلات جليدية زرقاء مخبأة تحت السطح. ويمكن للضوء الذي يتسلل عبر الجليد أن يضفي على المياه درجات من اللون الأزرق والفيروزي، بينما تضفي بلورات الجليد العالقة بعداً آخر على المشهد.

ومع ذلك، فإن الجليد ليس سوى جزء من عوامل الجذب.

نوع مختلف من الحياة البحرية

يجب ألا يتوقع الغواصون المعتادون على الشعاب المرجانية الاستوائية أن يجدوا هنا نسخة قطبية من البحر الأحمر أو المثلث المرجاني.

الجاذبية مختلفة.

يمكن للنظم البيئية ذات المياه الباردة أن تدعم الحياة البحرية، بما في ذلك نجوم البحر وشقائق النعمان والإسفنج والقشريات والكائنات القاعية الأخرى، في حين أن فرص مشاهدة الحيوانات الأكبر حجمًا تعتمد بشكل كبير على الموقع والموسم والظروف.

فوق سطح الماء، قد تكون الرحلة الاستكشافية لا تقل أهمية عن الغوص نفسه. ووفقًا للمنطقة، يمكن للمسافرين مشاهدة طيور البطريق والطيور البحرية والفقمات والحيتان أثناء التنقل بين مواقع الغوص ومناطق الرسو.

ومع ذلك، لا ينبغي أبدًا اعتبار لقاءات الحياة البرية تحت الماء أمرًا مضمونًا. ففي البيئات القطبية على وجه الخصوص، تحدد الظروف وحركات الحيوانات ما يراه الغواص فعليًّا.

هذا الغموض هو أحد العوامل التي تميز الغوص الاستكشافي عن عطلة الغوص التقليدية.

القارة القطبية الجنوبية أم القطب الشمالي؟

على الرغم من أنه غالبًا ما يتم تجميعهما تحت مسمى «الغوص القطبي»، إلا أن القطب الشمالي والقطب الجنوبي وجهتان مختلفتان تمامًا.

القارة القطبية الجنوبية هي قارة محاطة بالمحيط. وعادةً ما تستكشف مسارات الرحلات الاستكشافية مناطق مثل شبه جزيرة أنتاركتيكا والجزر المجاورة، حيث تهيمن التكوينات الجليدية الضخمة والحياة البرية على المشهد الطبيعي.

على النقيض من ذلك، فإن القطب الشمالي هو محيط محاط بالقارات والجزر. ويمكن تنظيم رحلات غوص في مناطق تشمل غرينلاند وسفالبارد، مما يخلق مزيجًا فريدًا من نوعه يجمع بين الجيولوجيا والحياة البرية والتاريخ البشري والجليد.

ولا ينبغي اعتبار أي منهما مجرد نسخة أكثر برودة من الآخر.

بالنسبة للغواصين المسافرين، قد يكون الاختيار بينهما مرتبطًا بالرحلة الاستكشافية ككل بقدر ارتباطه بما يحدث تحت الماء.

هذه الرحلة ليست مخصصة للغواصين المبتدئين

قد تجعل الصور المذهلة الغوص في القطبين يبدو سهلاً بشكل خادع.

ليس كذلك.

يؤثر الماء البارد على الغواصين ومعداتهم وتخطيط الغوص. وتصبح مهارات استخدام البدلة الجافة أمرًا ضروريًّا، كما تصبح الحماية الحرارية جزءًا من نظام السلامة بدلاً من أن تكون مجرد مسألة راحة، وقد تصبح مشاكل المعدات التي يمكن التعامل معها في الظروف الأكثر دفئًا أكثر خطورة بشكل ملحوظ في بيئة قطبية نائية.

كما يتعين على أجهزة التنظيم أن تعمل في مياه شديدة البرودة، حيث يُشكل التجمد والتدفق الحر مخاوف محتملة.

ولذلك، تضع الشركات المشغلة شروطًا تتعلق بالخبرة للمشاركة. فعلى سبيل المثال، تشترط شركة «أوشنوايد إكسبديشنز» حاليًا على المشاركين في برنامج الغوص القطبي التابع لها أن يكونوا حائزين على شهادة غوص معترف بها دوليًا، وأن يكون لديهم ما لا يقل عن 30 غوصة مسجلة بالبدلة الجافة في المياه الباردة.

هذا الرقم يمثل أحد متطلبات شركة التنظيم وليس مؤهلاً عاماً للغوص في المناطق القطبية، لذا ينبغي على الغواصين التحقق من المعايير المحددة الخاصة بشركة الرحلات التي يعتزمون السفر معها.

كما أن الإلمام بالمعدات أمر لا يقل أهمية. وتنصح شركة «أوشنوايد» الغواصين بعدم استخدام معدات غير مألوفة لهم، وتوصي بإجراء عدة غطسات باستخدام المعدات الجديدة قبل الانطلاق في رحلة استكشافية قطبية.

الرحلة الاستكشافية القطبية البعيدة ليست المكان المناسب لاكتشاف أن تصميمًا جديدًا للبدلة الجافة، أو إعدادات المنظم، أو نظام الأوزان لا يعمل كما هو متوقع.

البدلة الجافة ليست سوى البداية

لا يقتصر التحضير للغوص في المناطق القطبية على شراء معدات أكثر دفئًا فحسب.

يجب أن يكون الغواصون قادرين على التعامل مع البدلة الجافة بثقة، والحفاظ على الطفو رغم العزل الحراري الكثيف، والعمل بقفازات تحد من مرونة الأصابع. وينبغي أن تظل تجهيزات المعدات مألوفة وسهلة الاستخدام حتى عندما يشعر الغواص بالبرد.

كما تزداد أهمية وجود احتياطي من المعدات ومعدات بديلة عندما يكون أقرب متجر للغوص على بعد آلاف الكيلومترات.

تنصح شركة «أوشنوايد» الغواصين المشاركين بإحضار قطع غيار لأجهزة التنفس والبدلات الجافة، وتشير إلى أنه قد يتعين على الغواصين حمل معداتهم بأنفسهم بين سفينة الرحلة الاستكشافية والقوارب الأصغر حجماً المستخدمة للغوص.

لذلك، فإن التحضير البدني مهم أيضًا.

هذه رحلة استكشافية مصحوبة بالغوص، وليست بالضرورة رحلة إقامة على متن سفينة تقليدية حيث تنتظر أسطوانات الغاز بجانب سطح غوص واسع، وتتم كل غطسة وفق جدول زمني يمكن التنبؤ به.

خطة الغوص تندرج ضمن إطار البيئة

ولعل أكبر تغيير يتعين على الغواصين الترفيهيين ذوي الخبرة التكيف معه هو تقبُّل حقيقة أن مسار الرحلة لا يخضع أبدًا لسيطرتهم الكاملة.

الجليد يتحرك.

تغيرات الطقس.

قد تهب الرياح فجأة.

قد لا يكون الموقع الذي يبدو مناسبًا في الصباح مناسبًا بعد ذلك في وقت لاحق من اليوم.

وبالتالي، فإن مسارات الرحلات الاستكشافية القطبية تتسم بالمرونة بطبيعتها. وتشير شركة «أوشنوايد» إلى أن برامجها في القطبين الشمالي والجنوبي قد تتغير وفقًا لحالة الجليد والطقس والحياة البرية وتوافر المواقع واللوائح البيئية، حيث يتخذ قائد البعثة وقبطان السفينة القرارات التشغيلية.

بالنسبة للغواصين الذين اعتادوا على التخطيط لعطلاتهم بناءً على حطام سفن أو شعاب مرجانية معينة، فإن هذا الأمر يتطلب طريقة تفكير مختلفة.

الهدف ليس بالضرورة الغوص في موقع معين.

الهدف هو الغوص بأمان في أي مكان تسمح به البيئة القطبية.

البُعد يغير معنى الأمان

إحدى السمات المميزة للغوص في المناطق القطبية ليست درجة الحرارة، بل العزلة.

تتطلب القارة القطبية الجنوبية على وجه الخصوص مستوى من الاكتفاء الذاتي قد لا يواجهه المسافرون في وجهات الغوص المعروفة.

تنصح الرابطة الدولية لمنظمي الرحلات السياحية إلى القارة القطبية الجنوبية الزوار بأن يدركوا أن القارة القطبية الجنوبية بيئة لا يمكن التنبؤ بها وقد تنطوي على مخاطر، وتحذر الزوار بشكل خاص من توقع وجود خدمة إنقاذ تقليدية. وتشدد الرابطة على أن التخطيط الجيد والمعدات المناسبة والعاملين المدربين هي وسائل أساسية للحد من المخاطر.

وبالنسبة للغواصين، فإن هذا يجعل اختيار شركة تنظيم الرحلات أمراً بالغ الأهمية.

إن الخبرة في مجال سياحة الغوص العادية لا تعني بالضرورة أن المرء يتمتع بنفس الخبرة في إدارة عمليات الغوص في المناطق الجليدية، وفي ظل الظروف الجوية المتغيرة بسرعة، وعلى متن سفن البعثات الاستكشافية البعيدة.

ينبغي على الغواصين الذين يفكرون في القيام بمثل هذه الرحلة أن يدرسوا بعناية خبرة الشركة المنظمة، وإدارة عمليات الغوص، وإجراءات الطوارئ، ومتطلبات المعدات، وسياسات الإلغاء قبل الحجز.

حماية الأماكن التي يسافر إليها الغواصون من أماكن بعيدة لرؤيتها

كما تنطوي السياحة القطبية على مسؤوليات بيئية.

لا تزال القارة القطبية الجنوبية واحدة من أكثر البيئات البرية غرابة في العالم، ويخضع الزوار لقواعد محددة تهدف إلى تقليل الإزعاج إلى أدنى حد ممكن.

تتضمن إرشادات IAATO للزوار الحفاظ على مسافة آمنة من الحيوانات البرية، واتباع تعليمات قادة الرحلات الاستكشافية، وتجنب إزعاج أو تلويث البحيرات والجداول، وعدم المساس بالمواد البيولوجية والجيولوجية والتاريخية.

بالنسبة للغواصين، ينبغي أن يمتد مفهوم السفر المسؤول ليشمل العالم تحت الماء أيضًا.

يكتسب التحكم الممتاز في الطفو، والتحريك الدقيق للزعانف، والدخول والخروج المتحكم فيهما، واحترام الحياة البرية أهمية خاصة عند الدخول إلى بيئات لا يزورها سوى عدد قليل نسبيًا من البشر.

إن امتياز الوصول إلى مكان نائي لا يمنح الغواص حرية أكبر في إزعاج البيئة المحيطة به، بل يفرض عليه مسؤولية أكبر في ترك أقل قدر ممكن من آثار زيارته.

رحلة استكشافية أكثر منها عطلة غوص

قد تكون هذه في نهاية المطاف أفضل طريقة لفهم الغوص في القطبين.

أنت لا تسافر إلى مكان بارد لمجرد ممارسة رياضة الغوص.

أنت تنضم إلى رحلة استكشافية يُعد الغوص فيها جزءًا من تجربة أوسع نطاقًا بكثير.

قد تتضمن الرحلة جولات على متن زوارق «زودياك» عبر الجليد، ولقاءات مع الحيوانات البرية من على متن السفينة، ورحلات إلى الشاطئ، وفترات طويلة من الاستمتاع بمناظر طبيعية تبدو وكأنها لم تمسها يد الإنسان. ويضيف الغوص منظوراً آخر من خلال الكشف عن الجزء من تلك المناظر الطبيعية الذي لا يراه معظم المسافرين أبداً.

وهذا يعني أيضًا تقبّل عدم اليقين.

قد يتم تغيير موعد الغوص المخطط له.

وقد يتم إلغاء آخر.

قد تتغير درجة الرؤية.

قد تظهر الحيوانات البرية، أو قد لا تظهر.

الشروط هي التي لها الكلمة الأخيرة دائمًا.

هل الغوص في المناطق القطبية يستحق العناء؟

بالنسبة للغواص المناسب، ربما لا توجد سوى وجهات قليلة يمكنها أن توفر نفس المزيج من الاستكشاف والانعزال والمناظر الطبيعية تحت الماء.

لكن لا ينبغي اعتبار الغوص في المناطق القطبية الخطوة التالية التلقائية بعد الحصول على شهادة متقدمة.

يُعد هذا هدفًا أكثر منطقية يسعى الغواص إلى اكتساب الخبرة من أجله عن قصد.

تعلّم كيف تشعر بالراحة الحقيقية عند ارتداء البدلة الجافة. مارس الغوص بانتظام في المياه الباردة. تعرف على كيفية عمل أجهزة التنفس ووسائل الحماية من البرودة في الظروف الصعبة. طوّر قدرتك على التحكم في الطفو بشكل جيد. تعلّم كيفية التعامل مع المشكلات بثقة أثناء ارتداء القفازات السميكة ووسائل الحماية الحرارية الثقيلة.

ثم اختر شركة متخصصة في الرحلات القطبية ذات خبرة، واستعد لرحلة استكشافية بدلاً من مجرد عطلة غوص أخرى.

غالبًا ما يجذبنا الغوص في المياه الدافئة إلى عالم تحت الماء بألوانه ووفرة كائناته.

يقدم الغوص القطبي تجربة مختلفة تمامًا: الجليد، والصمت، والغموض، وفرصة النزول إلى بيئة لا تزال تبدو نائية حقًّا.

بالنسبة للغواصين الذين أمضوا سنوات في استكشاف المناطق الأكثر دفئًا على كوكب الأرض، فقد يكون هذا بالضبط هو الدافع الذي يدفعهم للذهاب إلى هناك.

المصدر: أوشن وايد إكسبديشنز

Mohsen Nabil
Chief Editor at Diventures Magazine |  + posts

محسن نبيل هو مؤسس ورئيس تحرير مجلة دايفنچرز. وهو مهندس ميكانيكي ومدرب غوص في البحر الأحمر، ويكتب عن سلامة الغوص والحفاظ على البيئة البحرية والاستكشاف تحت الماء والتطورات في صناعة الغوص العالمية. يعمل من خلال مجلة دايفنچرز على الربط بين الغواصين والعلماء والمدافعين عن المحيطات مع تعزيز الغوص المسؤول وحماية المحيطات.

Scroll to Top