دشّن النحات البريطاني المتخصص في النحت تحت الماء جيسون دو كايريس تايلور أول عمل له في المياه الإيطالية، وهو منحوتة بعنوان “جورني مان”، أُنجزت للنسخة السادسة من مهرجان إيوليي على جزيرة ليباري البركانية ضمن أرخبيل إيوليان في صقلية.
تستقر المنحوتة على عمق بضعة أمتار تحت السطح، في البِركة الطبيعية المحمية المعروفة باسم سوتومونستيرو، عند سفح أكروبوليس ليباري، والمعروفة محلياً باسم “لا بيشينا”. وتصوّر المنحوتة بحّاراً وحيداً على متن قارب متشظٍّ، يُبحر نحو الأعماق.

تكريم لسيباستيانو توسا
وقد أُهدِي هذا العمل إلى سيباستيانو توسا، عالم الآثار البحرية الإيطالي الذي أمضى مسيرته المهنية في البحث عن التراث الثقافي المغمور بالمياه وحمايته في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط، بدءًا من حطام السفن القديمة وصولاً إلى ساحات المعارك البحرية حول صقلية وجزر إيوليان. شغل توسا منصب المستشار الإقليمي للتراث الثقافي في صقلية، وكان يُعتبر على نطاق واسع شخصية رائدة في مجال الآثار البحرية قبل وفاته في 10 مارس 2019، عندما كان من بين 157 شخصًا لقوا حتفهم في حادث تحطم طائرة الخطوط الجوية الإثيوبية رقم 302 بالقرب من أديس أبابا. وكان في طريقه لحضور مؤتمر لليونسكو حول التراث الثقافي المغمور بالمياه.
تعيد منحوتة تايلور تصور بحث توسا المستمر طوال حياته عن التاريخ المفقود من خلال شخصية تواصل البحث في قاع البحر عن القصص التي دفنها الزمن. وقد صُنعت السفينة من قطع متناثرة، في صدى بصري لكل من عالم الآثار الذي يعيد تجميع أجزاء الماضي، والصورة الخالدة للسفينة التوفيقية باعتبارها ملاذاً للحياة والذاكرة.
صُمم ليصبح شعابًا مرجانية حية
صُنع «جورني مان» من مواد بحرية ذات درجة حموضة محايدة، وهو مصمم ليكون موئلاً اصطناعياً طويل الأمد، مما يسمح للشعاب المرجانية والكائنات البحرية بالاستيطان على سطحه المكون من طبقات من الحجر والركام بمرور الوقت. يشتهر تايلور عالمياً بتركيباته الفنية تحت الماء واسعة النطاق، بما في ذلك المتاحف المغمورة قبالة سواحل كانكون في المكسيك، ولانزاروت في جزر الكناري، وكلاهما يهدف إلى الجمع بين الفن العام وتجديد الشعاب المرجانية.
ووفقًا لتايلور، استغرقت العملية برمتها — بدءًا من نحت البورتريه والوعاء وصولاً إلى نقل العمل الفني وتركيبه تحت الماء — حوالي ثلاثة أشهر. وأشاد بالفريق الأوسع نطاقًا الذي شارك في المشروع، وسلط الضوء بشكل خاص على الدعم الذي قدمه مالفيتانو باعتباره عاملاً أساسيًا في إحياء هذا العمل الفني.
جزء من برنامج مهرجان EOLIÈ
تم تكليف الفنان بإنشاء هذا التمثال بمناسبة مهرجان «إيولي» (EOLIÈ) للفنون والأدب والمجتمع، وهو مهرجان ثقافي يُقام في ليباري في الفترة من 3 إلى 6 يوليو 2026، تحت شعار «الهاوية والغموض». وقد نظمت هذا الحدث الجمعية الثقافية «Un Sanpietrino» تحت إشراف فرانشيسكو مالفيتانو. وإلى جانب عمل تايلور الفني، تضمن برنامج هذا العام مشاركة النحات المعاصر جوزيبي أغنيلو، والفنان الحضري ماركو تامبورو، والمصور كارلوس سوليتو، والفنانة الصاعدة جيوديتا سين، مع عقد حلقات نقاش حول الحفاظ على البيئة البحرية على مدار المهرجان. ومن المقرر تنظيم برنامج متابعة بعنوان «EOLIÈ-off» خلال شهري أغسطس وسبتمبر في مواقع أخرى بجزيرة صقلية، بما في ذلك باتي وتينداري.
يضيف مشروع «Journey Man» ليباري إلى القائمة الصغيرة، وإن كانت آخذة في التوسع، من المواقع المتوسطية التي تستضيف أعمالًا فنية دائمة تحت الماء، لينضم بذلك إلى اتجاه أوسع نطاقًا يتمثل في استخدام التماثيل المغمورة لجذب الغواصين وممارسي الغطس السطحي إلى مواقع ترميم الشعاب المرجانية، مع إحياء ذكرى الشخصيات المرتبطة بالبحر.

وجهة قيد التشكّل
بالنسبة للمسافرين، يكمن الجاذبية في الشكل الذي من المقرر أن تتخذه القطعة بمرور الوقت، وليس فقط في مظهرها الحالي. صُنعت “جورني مان” من مواد بحرية ذات درجة حموضة متعادلة، وهي مصممة لتشجيع نمو المرجان واستيطان الكائنات البحرية، وهو نفس النهج الذي اتبعه تايلور في تركيباته الفنية في كانكون ولانزاروت، اللتين أصبحتا وجهتين راسختين للغوص والغطس بحد ذاتها. وإذا سارت «جورني مان» على نفس المسار، فقد يتحول خليج ليباري المحمي إلى نقطة جذب مماثلة لسياحة الفن تحت الماء في البحر الأبيض المتوسط.
ينبغي على الزوار المحتملين التعامل مع التمثال في الوقت الحالي باعتباره تركيبًا فنيًّا تم الكشف عنه مؤخرًا، وليس كموقع غوص راسخ تمامًا. ولم تحدد التقارير التي تناولت هذا الكشف الأول العمق الدقيق، أو تصاريح الغوص الرسمية المؤكدة، أو نقاط الدخول المحددة، أو أسماء المشغلين المحليين الذين ينظمون حالياً رحلات إلى الموقع. وينبغي على المسافرين الراغبين في زيارة الموقع الاستفسار مباشرةً من مراكز الغوص والسلطات السياحية في ليباري للحصول على أحدث المعلومات حول الوصول إلى الموقع، وحالته، وأي قيود مرتبطة بالمنطقة البحرية المحيطة به قبل التخطيط للرحلة.
وفي إطار برنامج مهرجان إيوليي الأوسع، بما يشمل أعمال النحات جوزيبي أنيلو وفنان الجداريات ماركو تامبورو والمصور كارلوس سوليتو، يتواصل الحدث عبر سلسلة فعاليات لاحقة بعنوان “إيوليي أوف”، مقررة في أغسطس وسبتمبر في مواقع صقلية أخرى، منها باتي وتيندري، ما يمنح المسافرين الراغبين في إطالة رحلتهم سبباً إضافياً لاستكشاف المنطقة خارج الجزر نفسها.
محسن نبيل هو مؤسس ورئيس تحرير مجلة دايفنچرز. وهو مهندس ميكانيكي ومدرب غوص في البحر الأحمر، ويكتب عن سلامة الغوص والحفاظ على البيئة البحرية والاستكشاف تحت الماء والتطورات في صناعة الغوص العالمية. يعمل من خلال مجلة دايفنچرز على الربط بين الغواصين والعلماء والمدافعين عن المحيطات مع تعزيز الغوص المسؤول وحماية المحيطات.







