الوثائقي الجديد عن “كوستا كونكورديا” على نتفليكس… تذكير لا يمكن لصناعة الغوص تجاهله

يعيد فيلم «Shipwrecked: Nightmare at Sea» (حطام السفينة: كابوس في البحر) تسليط الضوء على كارثة حدثت في رحلة بحرية، لكن الدروس المستفادة منه بشأن الانضباط في غرفة القيادة وتخطيط المسار تنطبق بنفس القدر على عمليات الإقامة على متن السفن

أطلقت «نتفليكس» في 10 يوليو 2026 فيلم «Shipwrecked: Nightmare at Sea»، وهو فيلم وثائقي مدته 87 دقيقة يعيد سرد أحداث الليلة التي وقعت فيها كارثة «كوستا كونكورديا» التي أودت بحياة 32 شخصًا وأدت إلى إعادة صياغة معايير السلامة في السفن السياحية. الفيلم، من إخراج كيارا ميسينيو، يعتمد على شهادات شهود العيان من الناجين، ولقطات تم تصويرها بالهواتف المحمولة ليلة وقوع المأساة، ومقتطفات مترجمة من تسجيلات الصندوق الأسود للسفينة. Netflix Tudum

بالنسبة لمعظم المشاهدين، سيُعتبر الفيلم إعادة سرد درامية لإحدى أكثر الكوارث البحرية دموية في التاريخ الحديث. أما بالنسبة لأي شخص يعمل في تشغيل سفن الركاب أو ضمن طاقمها، بما في ذلك رحلات السفاري التي تُقام على متن السفن والتي تشكل جزءًا كبيرًا من صناعة الغوص في البحر الأحمر، فإن الأمر يتعدى ذلك: فهو دراسة حالة توضح كيف يمكن لسلسلة واحدة من القرارات الصغيرة المتخذة على جسر القيادة أن تتفاقم لتتحول إلى كارثة. ولا يزال التحقيق الرسمي في الحادث، الذي نشرته وزارة البنية التحتية والنقل الإيطالية (MIT)، أحد أكثر التحليلات الفنية تفصيلاً للأخطاء البشرية في البحر التي أُعدت على الإطلاق، وتستحق نتائجه إعادة النظر فيها بالتزامن مع طرح الفيلم الوثائقي.

ماذا حدث ليلة 13 يناير 2012

أبحرت السفينة «كوستا كونكورديا» من ميناء تشيفيتافيكيا في إيطاليا في 13 يناير 2012، وعلى متنها أكثر من 4,000 شخص. وقرر قبطان السفينة، فرانشيسكو شيتينو، الإبحار بالقرب من جزيرة جيليو التوسكانية لإجراء «مرور تحية» غير مقرر، وهي مناورة تقترب فيها السفينة من الشاطئ عن قرب لتحية الناس على اليابسة عن طريق إطلاق بوقها.

وفقًا للتحقيق الرسمي الذي أجراه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، اصطدمت السفينة بصخور سكول قبالة جزيرة جيليو بسرعة تقارب 16 عقدة في الساعة 21:45 بالتوقيت المحلي. وتسبب الاصطدام على الفور في فقدان الدفع وانقطاع تام للتيار الكهربائي. ونظراً لتجمد الدفة، انجرفت السفينة بفعل الرياح والتيارات، وظلت تبحر دون اتجاه محدد لمدة تبلغ حوالي ساعة و15 دقيقة قبل أن تجنح. وانحرف ميل السفينة في البداية بنحو 15 درجة، ثم زاد بسرعة ليصل إلى 80 درجة. وأحدث الاصطدام شقاً بطول 53 متراً في بدن السفينة، مما أدى إلى غمر المياه لخمسة مقصورات مانعة لتسرب المياه. Saftey4Sea

فيلم وثائقي عن كوستا كونكورديا

تلك التفصيلة الأخيرة هي جوهر الكارثة من الناحية الفنية. فقد وصف المحققون غمر المياه لخمسة مقصورات متجاورة مانعة لتسرب المياه — وهي منطقة تضم معظم المعدات الحيوية للسفينة — بأنه حدث فريد حقًّا، لأن حجم الضرر تجاوز بكثير معيار القدرة على البقاء الذي صُممت السفينة واعتمدت وفقًا له. بعبارة بسيطة: صُنعت السفينة لتتحمل تلف مقصورتين متجاورتين، وليس خمس مقصورات. ولم يكن بإمكان أي قدر من الاستجابة الصحيحة لحالات الطوارئ بعد الاصطدام تغيير النتيجة بمجرد حدوث ثغرة في هذا الجزء الكبير من بدن السفينة. معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)

حيث أدت القرارات البشرية إلى تفاقم الأوضاع

يحرص تقرير معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) على الفصل بين الاصطدام الأولي — الذي نتج عن أمر خاطئ واحد — والاستجابة التي تلت ذلك، والتي أدت إلى تفاقم الوضع. أبلغ أحد المهندسين غرفة القيادة بأن ما لا يقل عن ثلاثة مقصورات مانعة لتسرب المياه كانت قد غمرتها المياه بالفعل، ومع ذلك لم يأمر القبطان بالإخلاء إلا بعد مرور ما يقرب من ساعة على الاصطدام. ويُذكر أنه كان لا يزال يعتقد أنه يمكن توجيه السفينة وإرساءها في مياه أقل عمقًا بدلاً من القبول بفقدانها.

كما كشفت التحقيقات أن أعداد الركاب وأفراد الطاقم تم الإبلاغ عنها بشكل غير صحيح وغير متسق طوال فترة الطوارئ، مما أدى إلى تعقيد جهود الإنقاذ. والأهم من ذلك، أنه في حين تم إجراء تدريب على إخلاء السفينة للركاب الذين صعدوا على متنها في ميناءها الرئيسي، لم يتم إجراء أي تدريب لاحق للركاب الذين انضموا إليها في محطات لاحقة. وهذا يعني أن نسبة كبيرة من ركاب السفينة لم يتلقوا أي إرشادات بشأن إجراءات الطوارئ قبل أن تبدأ المياه في التسرب إلى السفينة. كما أشار المحققون إلى أوجه القصور في تدريب أفراد الطاقم والحواجز اللغوية بينهم باعتبارها عوامل ساهمت في الفوضى التي سادت عملية الإجلاء.

كل واحد من تلك الإخفاقات — سواء كانت مناورة تم تنفيذها دون خطة موثقة، أو تأخير في اتخاذ قرار بإعلان حالة الطوارئ، أو إحاطة أمنية غير مكتملة، أو انقطاع في الاتصالات تحت الضغط — له نظير مباشر في عمليات الغوص على متن السفن السكنية، حيث تُعد الطواقم متعددة الجنسيات، والجداول الزمنية الضيقة، والانحرافات عن المسار تلبيةً لطلبات الضيوف، جزءًا من الممارسة اليومية أيضًا.

ما الذي تغير بعد ذلك

وكانت النتيجة التنظيمية المباشرة للكارثة هي أن أعضاء «الرابطة الدولية لخطوط الرحلات البحرية» سارعوا إلى فرض إجراء تدريب تجميع كامل قبل إبحار السفينة، بدلاً من السماح بإجرائه بعد الإبحار. وقد أُدرج هذا التغيير منذ ذلك الحين في القواعد التنظيمية للمنظمة البحرية الدولية. كما أوصى التحقيق الذي أجراه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بإجراء سلسلة من التغييرات الهيكلية في تصاميم السفن المستقبلية، بما في ذلك توفير حماية مزدوجة للبدن في المقصورات التي تضم معدات الدفع والكهرباء الحيوية، وفرض قيود أكثر صرامة على كيفية انتشار المياه عبر الحواجز المانعة لتسرب المياه في السفينة، واستخدام أدوات دعم الاستقرار المحوسبة لمساعدة الربان على تقييم مخاطر غمر المياه في الوقت الفعلي. Sea Trade News

أُدين شيتينو بتهم القتل غير العمد، والتسبب في حادث بحري، والتخلي عن السفينة، وحُكم عليه بالسجن لمدة 16 عامًا. كما أُدين خمسة موظفين آخرين من شركة «كوستا كروزز» كانوا على متن السفينة بتهم ذات صلة. وقد استنفد شيتينو جميع سبل الاستئناف، ولا يزال رهن الاحتجاز في روما.

حطام السفينة «كوستا كونكورديا» — ما نعرفه حتى الآن

لماذا يكتسب هذا الأمر أهمية تتجاوز نطاق السفن السياحية

التشابه مع مسألة السلامة على متن سفن الإقامة ليس بعيدًا عن الواقع. فإن قيام قبطان سفينة إقامة بالانحراف عن المسار المخطط له لتمكين الضيوف من مشاهدة الشعاب المرجانية أو موقع حطام سفينة عن قرب هو، من الناحية الإجرائية، قرار يندرج في نفس فئة قرار “الإبحار للتحية”: انحراف غير مخطط له، يتم تحت ضغط اجتماعي أو تجاري، دون أن يخضع لنفس مستوى التدقيق الذي يخضع له خطة الإبحار المسجلة رسمياً. إن النتيجة التي توصل إليها تحقيق «كونكورديا» بأن لا توجد إجراءات رسمية لما كان في الواقع مناورة في مساحات ضيقة، على الرغم من وجود طاقم كامل على جسر القيادة، هي تحذير مباشر مما يحدث عندما يُسمح للخبرة والإلمام بالوضع بأن يحلا محل الإجراءات.

ويمكن القول إن الفشل في تدريبات التجمع قابل للتكرار بدرجة أكبر. فشركات تشغيل السفن السكنية التي تنظم رحلات متتالية، حيث يصعد الغواصون على متن السفينة في نقاط مختلفة من مسار الرحلة، تواجه بالضبط السيناريو الذي أدى إلى وقوع الحادث على متن السفينة «كونكورديا»: ضيوف انضموا في منتصف الرحلة ولم يتلقوا أبدًا إرشادات السلامة قبل وقوع حالة الطوارئ.

يحكي فيلم «Shipwrecked: Nightmare at Sea» هذه القصة من منظور الأشخاص الذين عاشوا تلك الأحداث، وقد انتشرت ردود الفعل على الفيلم على نطاق واسع منذ طرحه، بما في ذلك تحليلات مفصلة من خبراء في المجال البحري، حيث قام العديد منهم بتفكيك قرارات غرفة القيادة بتفاصيل فنية أكثر مما يغطيه الوثائقي نفسه. وبغض النظر عما أغفله الفيلم، فإن التحقيق الرسمي لا يزال متاحًا للجمهور ويظل التقرير الأكثر دقة حول الكيفية التي أدت إلى غرق سفينة ركاب حديثة وخاضعة لرقابة صارمة، مما أسفر عن وفاة 32 شخصًا. وبالنسبة لقطاع يضع أيضًا مئات الركاب على متن سفن بعيدة عن الشاطئ، وفقًا لجداول زمنية تحددها توقعات الركاب، فإن هذا الفيلم يعد قراءة لا غنى عنها، وليس مجرد مشاهدة مطلوبة.

Chief Editor at Diventures Magazine |  + posts

محسن نبيل هو مؤسس ورئيس تحرير مجلة دايفنچرز. وهو مهندس ميكانيكي ومدرب غوص في البحر الأحمر، ويكتب عن سلامة الغوص والحفاظ على البيئة البحرية والاستكشاف تحت الماء والتطورات في صناعة الغوص العالمية. يعمل من خلال مجلة دايفنچرز على الربط بين الغواصين والعلماء والمدافعين عن المحيطات مع تعزيز الغوص المسؤول وحماية المحيطات.

Scroll to Top