في أكتوبر 2024، انزلقت مصورة المحيطات راشيل مور إلى المياه الدافئة قبالة سواحل موريا، في بولينيزيا الفرنسية، متوقعةً أن ينتهي يوم التصوير الطويل بشكل عادي. لكنها بدلاً من ذلك، التقت بحوت حدباء صغير لم يسمح لها بالرحيل، والذي أدى موته، بعد أربعة أيام، إلى تحويل صورة فوتوغرافية واحدة إلى نقطة تجمع للغواصين والغواصين الحرين ونشطاء الحفاظ على البيئة في جميع أنحاء العالم.
تجربة لا يحظى بها سوى عدد قليل من الغواصين
كانت مور قد أمضت اليوم بالفعل في الماء برفقة ذكر من الحيتان الحدباء عندما لاحظت صغيرًا يلعب بالقرب من السطح مع قطيع من الدلافين الدوارة. ورغم إرهاقها، إلا أن فضولها دفعها للعودة إلى الماء. وما تلا ذلك كان، على حد تعبيرها، أحد أعمق اللقاءات في مسيرتها المهنية: فقد اقتربت الحوتة، التي أطلق عليها طاقم القارب لاحقًا لقب «الفتاة اللطيفة»، وظلت تتواصل معها بصريًّا لعدة دقائق من مسافة قريبة، وهي تتقلب لتبقي نظرها موجهًا نحو المصورة.
استغلت مور تلك اللحظة لالتقاط صورة مقربة للغاية لعين الحوت، وكانت الصورة مفصلة بما يكفي لإظهار الحلقة الزرقاء الزاهية حول بؤبؤ العين، والطبقة السميكة من الدهون التي تعمل كوسادة عازلة لحماية عين الحوت تحت الماء. وأطلقت على الصورة عنوان «مجرات في عينيها». بالنسبة لأي شخص سبق له أن تبادل النظرات مع حيوان بحري تحت الماء، سواء كان سمكة قاروس فضولية، أو سلحفاة مسترخية، أو دلفين عابر، فإن جاذبية هذه الصورة تتجلى على الفور: فهي تلتقط تلك اللحظة النادرة والهادئة التي يبدو فيها الحيوان البري وكأنه يرد النظر.
قصة انقلبت أحداثها
كانت «سويت جيرل»، التي يُقدَّر عمرها بثلاث إلى أربع سنوات، صغيرًا من الحيتان الحدباء كانت قد توقفت في المياه المحيطة بتاهيتي وموريا، وهي منطقة معروفة بأنها مأوى ومكان للولادة لهذا النوع قبل هجرته الطويلة جنوبًا إلى مناطق التغذية في القطب الجنوبي. وبعد أيام من هذا اللقاء، صدمتها سفينة يُعتقد أنها عبارة سريعة تعمل بين الجزيرتين. ووفقًا لرواية مور نفسه، التي نشرها علنًا بعد الحادث، تعرضت الحوتة لصدمة شديدة ولم تنجُ من الحادث.
وقد ذكرت مور أنها شككت في البداية في أن الحوت المعني هو «سويت جيرل»، نظراً لعدد الحيتان التي تمر عبر المنطقة خلال الموسم، لكنها تمكنت من تأكيد ذلك من خلال العلامات المميزة الموجودة على جسم الحيوان. ولم يتم تحديد هوية السفينة المسؤولة رسمياً، وأشارت التقارير في ذلك الوقت إلى أن التحقيق كان جارياً.
اصطدامات السفن: تهديد عالمي لا يحظى بتغطية إعلامية كافية
تعد وفاة «سويت جيرل» مجرد حالة واحدة ضمن مشكلة أكبر بكثير وتظل في الغالب غير مرئية. ووفقًا لـ«المشروع الدولي للثدييات البحرية»، يُقدَّر أن 20 ألف حوت يُقتلون جراء الاصطدام بالسفن في جميع أنحاء العالم كل عام، وتكون الأنواع ذات الحواجب الكبيرة، مثل الحوت الأحدب والحوت ذي الزعنفة والحوت الرمادي والحوت الأزرق، هي الأكثر تضررًا في ممرات الملاحة المزدحمة وعلى طول مسارات الهجرة. وتشير المنظمة نفسها إلى أن الأرقام الرسمية لحوادث الاصطدام تقلل بشكل شبه مؤكد من الحصيلة الحقيقية، حيث تغرق العديد من الحيتان المصابة أو تنجرف بعيدًا في البحر قبل أن يتم تسجيلها.
وقد أقرت «اللجنة الدولية لصيد الحيتان»، التي تحتفظ بقاعدة بيانات عالمية لحوادث اصطدام السفن بالحيتان، بنفس هذه القيود: فغالبًا ما تمر حوادث الاصطدام بالسفن الكبيرة دون أن يُلاحظها أحد، ونادرًا ما يتم انتشال جثث الحيتان سليمة. وقد توصل الباحثون الذين يضعون نماذج لحساب معدل الوفيات الناجمة عن الاصطدامات باستخدام بيانات حركة السفن وكثافة الحيتان، بدلاً من الاعتماد على التقارير المؤكدة عن الجثث وحدها، إلى أن أعداد الوفيات الفعلية في المناطق التي خضعت لدراسات مكثفة، مثل الساحل الغربي للولايات المتحدة، من المرجح أن تكون أعلى بعدة أضعاف من التقديرات الرسمية الدنيا.
بالنسبة لصناعة الغوص والسياحة البحرية، هذه ليست مجرد إحصائية مجردة. فشركات تشغيل سفن الإقامة، وشركات تنظيم جولات السباحة مع الحيتان، ومراكز الغوص في ممرات الحيتان — من «سيلفر بانك» إلى تونغا وصولاً إلى بولينيزيا الفرنسية — تعتمد على بقاء هذه الحيوانات على قيد الحياة لفترة كافية حتى تعود موسمًا بعد موسم. فالممر البحري الواحد الذي يشهد حركة مرور كثيفة وتشترك فيه قوارب الرحلات السياحية والعبّارات وسفن الشحن يمكن أن يصبح أحد أخطر الممرات المائية التي تعبرها الحيتان خلال حياتها.
ماذا سيحدث بعد ذلك؟
قصة «سويت جيرل» سلطت الضوء على هذه القضية أمام الرأي العام بطريقة نادراً ما تنجح الإحصاءات وحدها في تحقيقها. ومنذ ذلك الحين، قامت مور بحملة من أجل أن تعتمد بولينيزيا الفرنسية حدودًا قصوى لسرعة السفن وتطبقها. ودعت إلى وضع حد أقصى يبلغ 12 عقدة أو أقل في نطاق يبلغ حوالي كيلومترين من تاهيتي وموريا خلال موسم الحيتان، بحجة أن السرعات الأبطأ تمنح كلًا من الحيتان ومشغلي السفن مزيدًا من الوقت للاستجابة. وتأتي جهودها هذه في سياق التدابير المعمول بها بالفعل في أماكن أخرى، بما في ذلك التخفيضات الموسمية لسرعة السفن في كاليفورنيا داخل موائل الحيتان، والتي تهدف إلى تقليل مخاطر وشدة الاصطدامات في المناطق التي يتداخل فيها مسار الحيتان مع حركة السفن.
إن اعتماد هذه المقترحات المحددة أمراً يرجع إلى السلطات المحلية والجهات التنظيمية البحرية، ويتناول النقاش مصالح متضاربة: فكل من جماعات الحفاظ على البيئة ومشغلي العبّارات وشركات الشحن البحري يقيّم كل منها عوامل السلامة والتكلفة واللوجستيات بطريقة مختلفة. أما الأمر الذي لا خلاف عليه فهو النمط الأساسي الذي وثّقه علماء البحار: فحيثما تتقاطع مسارات هجرة الحيتان مع الممرات الملاحية المزدحمة، تحدث حوادث اصطدام، ومعظمها لا يُسجّل.
بالنسبة لمجتمع الغواصين، لا تُعتبر صورة «سويت جيرل» مجرد إحصائية متعلقة بالحفاظ على البيئة بقدر ما هي تذكير بما هو على المحك فعليًّا تحت الماء، وهو تذكير مألوف لأي شخص توقف يومًا ما أثناء الغوص لأن حيوانًا بريًّا ضخمًا اختار، لبرهة وجيزة، أن ينظر إلى الوراء.
محسن نبيل هو مؤسس ورئيس تحرير مجلة دايفنچرز. وهو مهندس ميكانيكي ومدرب غوص في البحر الأحمر، ويكتب عن سلامة الغوص والحفاظ على البيئة البحرية والاستكشاف تحت الماء والتطورات في صناعة الغوص العالمية. يعمل من خلال مجلة دايفنچرز على الربط بين الغواصين والعلماء والمدافعين عن المحيطات مع تعزيز الغوص المسؤول وحماية المحيطات.







