دراسة جديدة تخلص إلى أن الغواشين يقللون من شأن تأثيرهم على الشعاب المرجانية

الغواصون يقللون من تقدير الضرر الذي يلحقونه بالشعاب المرجانية، وفق دراسة جديدة

توصلت دراسة جديدة خضعت لمراجعة الأقران إلى أن الغواصين، بمن فيهم أولئك الذين يعتبرون أنفسهم واعين بيئيًّا، يلامسون الشعاب المرجانية ويلحقون بها الضرر بوتيرة أكبر بكثير مما يدركون. وقد نُشرت هذه الدراسة في 26 مايو 2026 في مجلة «Conservation Letters»، وقادها الدكتور بينغ لين من مركز أبحاث «Thriving Oceans» التابع لجامعة سيدني، حيث بدأ العمل عليها خلال دراسته للدكتوراه في جامعة برينستون واستمر خلال فترة عمله كباحث ما بعد الدكتوراه في سيدني.

حللت الدراسة السلوك تحت الماء لأكثر من 700 غواص في وجهات سياحية شهيرة للغوص في الفلبين وإندونيسيا، بما في ذلك بالي. وقام الباحثون بتسجيل أكثر من 300 ساعة من المراقبة تحت الماء، وسجلوا 4,981 حالة تلامس فردية مع الشعاب المرجانية بين 411 غواصًا. في المتوسط، كان الغواصون يتلامسون مع الشعاب المرجانية مرة واحدة تقريبًا كل أربع دقائق، ويقضون ما يقرب من ثانيتين من كل دقيقة في تلامس جسدي مباشر مع المرجان.

تسببت نسبة كبيرة من حالات الاتصال في وقوع أضرار

من بين آلاف حالات التلامس المسجلة، تسببت حوالي 41 في المائة منها في أضرار ملحوظة للشعاب المرجانية، تراوحت بين الكسر التام وإثارة الرواسب التي يمكن أن تستقر على أنسجة الشعاب المرجانية الحية وتخنقها. ولعل الأمر الأكثر أهمية بالنسبة للمتخصصين في هذا المجال هو أن الباحثين وجدوا أن أكثر من 80 في المائة من حالات التلامس الضارة هذه كانت إما غير مقصودة أو لم يلاحظها الغواص المسؤول عنها على الإطلاق.

قال الدكتور لين إن النتائج تسلط الضوء على مدى بقاء جزء كبير من الأضرار التي تسببها سياحة الغوص غير مرئي بالنسبة للأشخاص أنفسهم الذين يتسببون فيها. وأشار إلى أن الغوص يُصوَّر تقليديًّا على أنه وسيلة ذات تأثير محدود وغير استخراجية لاستكشاف البيئات البحرية، حيث تظل الأسماك والشعاب المرجانية في مكانها دون أن تتعرض لأي إزعاج، ويكتفي الغواصون بمجرد المراقبة. وتشير الدراسة إلى أن هذا التصور قد يقلل من شأن الأثر المادي الذي يتركه الغوص.

باحث يتابع الغواصين في إطار هذا المشروع. بينغ لين
باحث يتابع الغواصين في إطار هذا المشروع. بينغ لين

فجوة بين التقييم الذاتي والسلوك الفعلي

كان من أبرز عناصر هذا البحث مقارنة ما يعتقده الغواصون عن مهاراتهم بما سجلته الكاميرات والمراقبون فعليًّا. ففي الاستطلاعات التي أُجريت قبل الغوص، صنف ما لا يقل عن 69 في المائة من الغواصين المشاركين أنفسهم على أنهم «فوق المتوسط» في قدرتهم على تجنب الاصطدام المتعمد بالشعاب المرجانية، بينما صنف 86 في المائة أنفسهم على أنهم «فوق المتوسط» في تجنب الاصطدام العرضي.

وعندما تمت مقارنة هذه التقييمات الذاتية مع لقطات مصورة تحت الماء، تبين أن الغواصين أنفسهم قد قللوا من تقدير عدد المرات التي لمسوا فيها الشعاب المرجانية فعليًّا بنحو خمسة أضعاف. يصف الباحثون هذا النمط بأنه يتوافق مع «تأثير التفوق الوهمي»، الذي يقوم فيه الناس بشكل منهجي بتقييم قدراتهم أعلى من قدرات أقرانهم، مقترناً بنمط «دانينغ-كروجر»، حيث أظهر الغواصون ذوو المستويات الفعلية الأقل من المهارة أكبر الفجوات بين الكفاءة المتصورة والكفاءة المثبتة.

وقال الدكتور لين: “يعتقد العديد من الغواصين أنهم يتصرفون بحذر ولا يتسببون في أضرار كبيرة، لكن بياناتنا تُظهر تباينًا مستمرًا بين التصور والسلوك”.

اللقاءات مع الأحياء البحرية تزيد التلامس بشكل حاد

حددت الدراسة مشاهدات الحيوانات البحرية البرية باعتبارها أحد أقوى المؤشرات التي تنبئ بزيادة حالات التلامس مع الشعاب المرجانية. فعندما ظهرت أسماك القرش أو السلاحف البحرية أو أسماك المانتا أو غيرها من الأنواع الجذابة أثناء الغوص، ارتفعت حالات التلامس المتعمد مع الشعاب المرجانية بنسبة 220 في المائة، وارتفعت حالات التلامس غير المتعمد بنسبة 85 في المائة، وارتفعت حالات التلامس المسببة للضرر بنسبة 106 في المائة. ويعزو الباحثون ذلك إلى قيام الغواصين بتغيير مواقعهم، أو تثبيت أنفسهم، أو تعديل طفوهم بسرعة في محاولة للاقتراب من الحيوان أو رؤيته بشكل أفضل، غالبًا على حساب التحكم الدقيق بالقرب من هيكل الشعاب المرجانية نفسه.

ويحمل هذا الاستنتاج مفارقة خاصة بالنسبة لصناعة الغوص: فاللقاءات التي تُلهم الغواصين بشكل أكثر موثوقية لتقدير قيمة الشعاب المرجانية وحمايتها هي غالبًا نفس اللحظات التي تواجه فيها تلك الشعاب أكبر خطر للتعرض لأذى مادي. ويشير الباحثون إلى أن هذا يعني أن مواقع الغوص المعروفة بوفرة الحياة البحرية فيها تتطلب إدارة أكثر حرصًا، بما في ذلك تقليل حجم المجموعات وتقديم إرشادات أوضح بشأن مسافات المشاهدة المناسبة خلال فترات ذروة لقاءات الحياة البرية.

غواص يثير الرواسب في أحد مواقع إعادة تأهيل الشعاب المرجانية في بالي، إندونيسيا.
غواص يثير الرواسب في موقع لإعادة تأهيل الشعاب المرجانية في بالي، إندونيسيا.

المعدات وسلوك المجموعة يلعبان دوراً أيضاً

كما توصلت الدراسة إلى أن اختيار أنواع معينة من المعدات يرتبط بارتفاع معدلات التلامس. فقد كان الغواصون الذين يستخدمون كاميرات تحت الماء، أو يرتدون قفازات، أو يحملون عصي التوجيه، يلمسون الشعاب المرجانية بوتيرة أكبر مقارنة بالغواصين الذين لا يستخدمون هذه المعدات. ويشير الباحثون إلى أن الكاميرات على وجه الخصوص قد تصرف انتباه الغواصين عن مراقبة وضع أجسادهم وموضع زعانفهم أثناء تركيزهم على تأطير اللقطة.

كما ثبت أن الديناميات الاجتماعية داخل مجموعة الغوص لها أهمية كبيرة. فعندما يلامس أحد الغواصين في المجموعة الشعاب المرجانية، تزداد احتمالية قيام الغواصين الآخرين في نفس المجموعة بنفس الفعل بعد ذلك بوقت قصير بشكل ملحوظ، مما يشير إلى وجود نوع من «العدوى السلوكية» التي قد يتمكن المدربون والمرشدون من وقفها من خلال تقديم نموذج سلوكي إيجابي وإعطاء إشارات داخل الماء.

توصيات موجهة للقطاع

وحرص فريق البحث على عدم تقديم نتائجه على أنها حجة ضد الغوص، بل كدعوة إلى مزيد من التدريب المدروس وإدارة المواقع بشكل أفضل. وتشمل التدخلات المقترحة توفير تعليمات أكثر صرامة بشأن الطفو أثناء الحصول على الشهادات والتدريب المستمر، وتقديم إحاطات أوضح قبل الغوص تتناول المخاطر المحددة المرتبطة بالتلامس مع الشعاب المرجانية بدلاً من التذكير العام بقواعد السلوك، وتقديم ملاحظات منظمة بعد الغوص حتى يتمكن الغواصون من مشاهدة لقطات لسلوكهم، ووضع معايير أكثر صرامة على مستوى المشغلين فيما يتعلق بحجم المجموعات، ونسبة المرشدين إلى الغواصين، واستخدام المعدات بالقرب من مناطق الشعاب المرجانية الحساسة.

وأشار الدكتور لين إلى أن هذا البحث الأحدث يستند إلى عمله السابق، الذي نُشر في مجلة «نيتشر سستينابيليتي» (Nature Sustainability)، والذي توصل إلى أن الأنشطة السياحية الساحلية، بما في ذلك الغوص، تترك أثراً قابلاً للقياس ويمكن رصده إقليمياً على الشعاب المرجانية عبر سلاسل الجزر بأكملها. وتشير الدراسة إلى أن التفاعلات الفردية الطفيفة تتراكم بشكل مطرد بمرور الوقت، وتضاعف الضغوط التي تواجهها الشعاب المرجانية بالفعل جراء ارتفاع درجة حرارة المحيطات، وموجات الحرارة البحرية، وتحمض المحيطات، والتلوث، والصيد الجائر.

لماذا يهم هذا مراكز الغوص وجهات التدريب

بالنسبة لمراكز الغوص ومشغلي رحلات الغوص على متن السفن ووكالات التدريب، تقدم الدراسة حجة ملموسة ومستندة إلى الأدلة لتعزيز مهارات الطفو والتوازن إلى ما هو أبعد من شهادة المستوى المبتدئ، وللتعامل مع لقاءات الحياة البرية — وليس فقط اختراق حطام السفن أو البيئات المغلقة — باعتبارها لحظات تتطلب وعيًا متزايدًا من الغواص وإشرافًا دقيقًا من المرشد. ويصوِّغ الباحثون استنتاجاتهم على أنها بناءة وليست مثيرة للقلق، مؤكدين أن الأثر البيئي لسياحة الغوص تحت الماء ليس أمراً حتمياً ويمكن تقليصه بشكل ملموس من خلال التدريب والإحاطات وتغييرات إدارة المواقع التي تقع بالفعل في متناول هذه الصناعة.

نُشرت الدراسة كاملةً في مجلة «Conservation Letters»، وقد أُجريت من خلال «مركز أبحاث المحيطات المزدهرة» التابع لكلية علوم الأرض بجامعة سيدني.

Mohsen Nabil
Chief Editor at Diventures Magazine |  + posts

محسن نبيل هو مؤسس ورئيس تحرير مجلة دايفنچرز. وهو مهندس ميكانيكي ومدرب غوص في البحر الأحمر، ويكتب عن سلامة الغوص والحفاظ على البيئة البحرية والاستكشاف تحت الماء والتطورات في صناعة الغوص العالمية. يعمل من خلال مجلة دايفنچرز على الربط بين الغواصين والعلماء والمدافعين عن المحيطات مع تعزيز الغوص المسؤول وحماية المحيطات.

Scroll to Top